أفتان أنت يا معاذ

كيف نجمع بين قول الله تعالى (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) وبين بعض مواقف النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً عندما قال {ثكلتك أمك يا معاذ} وعندما قال له {أفتان أنت يا معاذ} وبشكل عام بين غضبه إذا انتهكت محارم الله؟ فهل الغضب هذا من الحكمة والموعظة الحسنة؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو خير من دعا إلى الله تعالى بأقواله وأفعاله؛ حيث كان أرحم الناس وأرأفهم، وأحسنهم خلقاً، وألينهم عريكة، وأطولهم يداً، وأعظمهم عن العورات إغضاء، وأكثرهم تواضعاً، وأعدمهم كبراً، من رآه بداهةً هابه، ومن خالطه معرفةً أحبه، وبالجملة يكفينا قول ربنا سبحانه وتعالى في مدحه صلى الله عليه وسلم (وإنك لعلى خلق عظيم) وقوله (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وقوله (ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك) وقول أمنا عائشة رضي الله عنها {كان خلقه القرآن يغضب لغضبه، ويرضى لرضاه} رواه مسلم.
وأما قول النبي لبعض الصحابة كمعاذ بن جبل ويزيد بن لبيد الأنصاري وأبي ذر الغفاري رضي الله عنهم فهي كلمة تقولها العرب للإنكار ولا تريد بها حقيقتها من الدعاء على المخاطَب بالموت؛ وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ {أفتان أنت يا معاذ} فيه الإنكار على معاذ رضي الله عنه حين طوَّل بالناس في الصلاة فقرأ بالبقرة أو النساء؛ فارتكب بذلك أمراً مكروهاً لما فيه من تنفير الناس من الصلاة؛ فأراد النبي صلى الله عليه وسلم تعزيره بهذه الكلمة زجراً له عن تعاطي مثل هذا الفعل، وليس فيه منافاة للحكمة أو الموعظة الحسنة؛ بل كما قال القائل: قسا ليزدجروا ومن يكُ ذا حكمة فليقسُ أحياناً على من يرحم. والله تعالى أعلم.