الفتاوى

  • الذين لا يُسألون في قبورهم

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، غفر الله لكم، من هم الذين لا يُسألون في القبر؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    والذين لا يسألون في قبورهم أربعة أصناف، وهم بعد الأنبياء:

    أولاً: الشهداء؛ فقد روى المقدام بن معدي كرب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده في الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقربائه” رواه الترمذي وابن ماجة.

    ثانياً: من مات مرابطاً في سبيل الله، فقد روى فضالة بن عبيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: “كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطاً في سبيل الله؟ فإنه ينمي له عمله يوم القيامة

    ثالثاً: الذي يموت بداء البطن، وقد ثبت في حديث يرويه عبد الله بن يسار، قال: ” كنت جالساً وسليمان بن صرد وخالد بن عرفطة، فذكروا أن رجلاً توفي مات ببطنه، فإذا هما يشتهيان أن يكونا شهدا جنازته، فقال أحدهما للآخر: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يقتله بطنه فلن يعذب في قبره “؟ فقال الآخر: بلى، وفي رواية: صدقت، ويأمن فتنة القبر” رواه الترمذي وأبو داود.

    رابعاً: الذي يموت يوم الجمعة، ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: “ما من مسلم يموت يوم الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر” رواه أحمد والترمذي، والحديث صحيح بمجموع طرقه أو حسن

  • الحمد لله عدد خلقه

    يا شيخ ممكن أقول (الحمد لله عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته) ولا ما ورد الكلام ده في السنة؟

    بل يمكنك ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علم جويرية رضي الله عنها أن تقول (سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه” ففي صحيح مسلم” من حديث جويرية أم المؤمنين رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: “ما زلتِ على الحال التي فارقتكِ” قالت: نعم. فقال عليه السلام: “لقد قلتُ بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وُزِنتْ بما قُلْتِ منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته” وهذا يصح في جميع الأذكار. قال ابن الملقن رحمه الله تعالى في (التوضيح شرح الجامع الصحيح) بعد أن ذكر حديث الباقيات الصالحات (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) فإن زاد: عدد خلقه، وزنة عرشه ورضا نفسه ومداد كلماته كان عظيمًا كما شهد له به عليه السلام.ا.هــ وخرّج أبو داود، والترمذي، والنسائي من حديث سعد بن أبي وقّاص أنَّه دخل مع النَّبيِّ – صلى الله عليه وسلم – على امرأةٍ وبَين يديها نوى، أو قال: حَصى تسبِّح به، فقال: ((ألا أُخبِرُك بما هو أيسرُ من هذا وأفضل؟ سبحانَ الله عددَ ما خلق في السماء، وسبحانَ الله عدد ما خلَق في الأرض، وسُبحان الله عدد ما بينَ ذلك، وسبحانَ الله عددَ ما هو خالق، والله أكبر مثلُ ذلك، والحمد لله مثلُ ذلك، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله مثل ذلك)) وخرّج النسائيّ، وابن حبان في “صحيحه” من حديث أبي أمامة، أن النبيّ – صلى الله عليه وسلم – مرّ به، وهو يحرك شفتيه، فقال: “ماذا تقول يا أبا أمامة؟ ” قال: أذكر ربي، قال: “ألا أخبرك بأكثر، أو أفضل من ذكرك الليل مع النهار، والنهار مع

    الليل؟ أن تقول: سبحان الله عدد ما خلق، سبحان الله ملء ما خلق، سبحان الله عدد ما في الأرض والسماء، وسبحان الله ملء ما في الأرض والسماء، وسبحان الله عدد ما أحصَى كتابه، وسبحان الله ملء ما أحصى كتابه، وسبحان الله عدد كل شيء، وسبحان الله ملء كل شيء، وتقول: الحمد لله مثل ذلك”

  • الإجهاض بسبب الإغتصاب

    السلام عليكم ورحمة الله، ربنا ينزل علينا نعمة الأمان، بستفسر لو في واحده اتعرضت للاغتصاب م قبل الجنجويد وحاليا ظهر ليها حمل.. ممكن تعمل عملية اجهاض تنزل الجنين ..يجوز ولا لا

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله تعالى أن يبدلنا بعد الخوف أمناً، وأن يرد هؤلاء البغاة الظالمين المعتدين على أعقابهم خاسرين، وأن ينزل بهم نقمته، أما بعد.

    فقد اتفق أهل العلم على تحريم الإجهاض إذا كان بعد نفخ الروح؛ ولا يستثنى من ذلك إلا حالة ثبوت خطر على حياة الأم من بقاء ذلك الجنين، وأما قبل نفخ الروح فقد اختلفوا؛ حيث ذهب الحنفية والشافعية وبعض الحنابلة إلى جوازه إذا كان قبل نفخ الروح، قال الرملي في نهاية المحتاج: الراجح تحريمه بعد نفخ الروح مطلقاً وجوازه قبله. ا.هـ وفي حاشية قليوبي: نعم يجوز إلقاؤه ولو بدواء قبل نفخ الروح فيه خلافاً للغزالي.ا.هـ

    وأضيق من هذا القول ما ذهب إليه بعض الحنابلة وبعض المالكية إلى جوازه قبل أربعين يوماً، قال المرداوي في الإنصاف: ويجوز شرب دواء لإسقاط نطفة.ا.هـــ

    وأضيق المذاهب في ذلك مذهب المالكية وبعض الشافعية وبعض الحنابلة حيث ذهبوا إلى عدم الجواز مطلقاً، قال الدردير في شرحه على خليل: لا يجوز إخراج المني المتكون في الرحم ولو قبل الأربعين يوماً، وإذا نفخت فيه الروح حرم إجماعاً.ا.هــــ

  • فناء النار

    هناك من العلماء من يقول بفناء النار وهناك من يقول بعكس ذلك ما هو القول الفصل في هذا الخلاف؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، فإنَّ اعتقادَ أهلِ السُّنة أنَّ النارَ غيرُ فانِية؛ لقولِ الله عز وجل {وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ}  وقولِه جل جلاله {خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُون} وقوله تعالى {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب} وقوله تعالى {لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها} وقوله تعالى {فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا}

    وأما قولُه تعالى {قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ} وقولُه عز وجل {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} فقد ذكرَ أهلُ التفسير “أنَّ الاستِثناءَ عائدٌ على العُصاةِ مِن أهلِ التوحيد، ممن يُخْرِجُهم الله من النار بشفاعةِ الشافعِين من الملائكة والنبيِّين والمؤمنين حين يشفعُون في أصحابِ الكبائر، ثم تأتي رحمةُ أرحَمِ الراحمين؛ فتُخرِجُ من النار من لم يعمَلْ خيراً قط، وقال يوماً من الدهر: لا إله إلا الله. كما وردت بذلك الأخبارُ الصحيحة المستفيضة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمضمون ذلك من حديث أنس وجابر وأبي سعيد وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم، ولا يبقى بعد ذلك في النار إلا من وَجَبَ عليه الخلودُ فيها ولا محيدَ له عنها. وهذا الذي عليه كثيرٌ من العلماء قديماً وحديثاً في تفسيرِ هذه الآية الكريمة”. [تفسير ابن كثير 4/351-352]. وأما الاستِثناء في قوله تعالى {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّك} فـ”معنى الاستثناء هاهنا: أنَّ دوامَهم فيما هم فيه من النعيم، ليس أمراً واجِبا بذاته، بل هو موكُولٌ إلى مشيئة الله تعالى؛ فله المنة عليهم؛ ولهذا يُلْهَمون التسبيحَ والتحمِيدَ كما يُلْهَمُون النَّفَس” [تفسير ابن كثير 4/352]. وإذا استحضرنا حديثَ الجهنميين التي يخرجون من النار وقد امتحِشُوا ويدخلون الجنة كما في الصحيحين ازددنا فهماً واقتناعاً بهذا التفسير؛ فالخلودُ في الجنة للسعداءِ برحمةِ اللهِ ولُطفِه، والخلودُ في النارِ للأشقياءِ بِعَدلِه وحِكْمَتِه، ولا يُخلَّد في النار عُصاةُ الموحِّدين وأهلُ الكبائرِ من هذه الأمة. وأما ما يُنسَبُ إلى ابنِ القيم رحمه الله من القول بفناء النار، فهو على خلاف ما قرَّره رحمه الله في (الوابل الصيِّب)؛ ولذلك جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: “رأي ابن القيم في فناء النار يمكنك أن ترجع إليه في كتابه [الوابل الصيب] فقد صرح فيه بأن النار لا تفنى، كما هو قول جمهور أهل السنة والجماعة”. [فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء2/2. س13 من الفتوى رقم (4264)].

    وننصح السائل الكريم بالعناية بمعرفة أحكام العبادات والمعاملات والعلم الواجب معرفته والأمورِ التي يترتبُ عليها عَملٌ ولا يسَع أحداً جهلها. وقد قيل:

      وإذا طَلبتَ العِلمَ فاعْلَمْ أنه    حِمْلٌ فأبْصِرْ أيَّ حِمْلٍ تَحْمِلُ!

        وإذا عَلِمْتَ بأنه مُتفاضِلٌ   فاشْغَلْ فُؤادَك بالذي هو أفضلُ!

    والله الموفق للعلم النافع والعمل الصالح.

  • زوجات النبي

    من هم زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم بالترتيب؟ ومتى ولد بالعام الميلادي؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد اعتنى أهل العلم بالسير كالإمام أبي محمد بن حزم الظاهري رحمه الله في كتابه (جوامع السيرة) والحافظ أبي الفداء بن كثير في (البداية والنهاية) والإمام أبي عبد الله بن القيم في كتابه (زاد المعاد) بذكر زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم على الترتيب فذكروا ما خلاصته: أول أزواجه صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، تزوجها عليه الصلاة والسلام وهو ابن خمس وعشرين سنة، وماتت رضي الله عنها قبل الهجرة بثلاث سنين، ولم يتزوج غيرها حتى ماتت؛ فلما ماتت خديجة تزوج عليه السلام سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة بنت أبي بكر الصديق، واسمه عبد الله، بن أبي قحافة، واسمه عثمان، بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم، بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، ولم يتزوج بكراً غيرها، تزوجها بمكة وهي بنت ست سنين، وبنى بها بعد الهجرة بسبعة أشهر في شوال، وهي بنت تسع سنين، وبقيت معه تسع سنين وخمسة أشهر، وماتت سنة ثمان وخمسين.

    ثم تزوج حفصة بنت عمر بن الخطاب بعد الهجرة بسنتين وأشهر، وتوفيت سنة خمس وأربعين، وصلى عليها مروان، وهو أمير المدينة، ثم تزوج زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد الله بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة، وتوفيت زينب في حياته بعد ضمه لها بشهرين، وتزوج أم سلمة، واسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي، وهي آخر نسائه موتاً، ماتت سنة تسع وخمسين، وتزوج زينب بنت جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة، وهي أول نسائه موتاً بعده، ماتت في أول خلافة عمر، وهي التي زوجها الله تعالى منه، ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، وتوفيت سنة ست وخمسين في ربيع الأول، وصلى عليها مروان، ثم تزوج أم حبيبة، واسمها رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، فيما بعد الحديبية، سيقت إليه من بلاد الحبشة؛ وماتت في خلافة أخيها معاوية، سنة أربع وأربعين، وتزوج إثر فتح خيبر صفية بنت حيي بن أخطب، من بني النضير، من ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم هرون بن عمران أخي موسى بن عمران عليهما السلام، وماتت سنة خمسين؛ ثم تزوج ميمونة بنت الحارث ـ وهي خالة خالد بن الوليد وعبد الله ابن عباس ـ وهي آخر من تزوج صلى الله عليه وسلم تزوجها بمكة في عمرة القضاء بعد إحلاله، ماتت أيام معاوية وذلك سنة إحدى وخمسين.

  • احتكار السلع

    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، سؤالي هو ما حكم شراء السلعة وتخزينها حتى يرتفع سعرها وبصفة خاصة الحبوب كالذرة أو الحبوب الزيتية وزيوت الطعام وغيرها من السلع التجارية، حيث درج بعض أهلنا على فعل ذلك؟ وماذا لو كانت الكميات التي يخزنونها قليلة وجزاكم الله خيرا..

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فهذه المعاملة داخلة في عموم قوله تعالى ((وأحل الله البيع وحرم الربا)) وليس هذا هو الاحتكار الذي توعد النبي صلى الله عليه وسلم فاعله؛ لأن الاحتكار هو تخزين الطعام مع حاجة الناس إليه، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {لا يحتكر إلا خاطئ} رواه مسلم، والخاطئ هو العاصي الآثم، قال النووي رحمه الله تعالى: قال أصحابنا: الاحتكار المحرَّم هو الاحتكار في الأقوات خاصة، وهو أن يشتري الطعام في وقت الغلاء للتجارة، ولا يبيعه في الحال، بل يدخره ليغلو ثمنه، فأما إذا جاء من قريته، أو اشتراه في وقت الرخص وادخره، أو ابتاعه في وقت الغلاء لحاجته إلى أكله، أو ابتاعه ليبيعه في وقته، فليس باحتكار ولا تحريم فيه.ا.هـ والحكمة في تحريم الاحتكار دفع الضرر عن عامة الناس، ولذلك أجمع العلماء على أنه لو كان عند إنسان طعام، واضطر الناس إليه ولم يجدوا غيره، أجبر على بيعه دفعاً للضرر عن الناس.

    وأما غير الأقوات فلا يحرم الاحتكار فيه بكل حال؛ وهذا مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم في رواية ابن ماجه عن عمر رضي الله عنه {من احتكر على المسلمين طعامهم} فدل على جوازه في غير الطعام، قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم كرهوا احتكار الطعام، ورخص بعضهم في الاحتكار في غير الطعام، وقال ابن المبارك: لا بأس بالاحتكار في القطن والسختيان ونحو ذلك والعلم عند الله تعالى.

  • مسبوق صلاة الجنازة

    السلام عليكم ورحمه الله وبركاته سؤالي يا شيخنا إذا أتيت إلى صلاة جنازة ووجدت أنهم قد سبقوني بتكبيرة أو تكبيرتين عندما يسلم الإمام هل أسلم معه أم أكمل ما فاتني؟ جزاكم الله خيرا

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فالمسبوق في صلاة الجنازة عليه أن يأتي بالتكبيرات التي فاتته، وذلك بعد سلام الإمام؛ فإذا كانت الجنازة لا تزال موضوعة على الأرض فإنه يأتي بالتكبيرات والأذكار؛ أما إذا رفعت فإنه يأتي بالتكبيرات فقط؛ لأنها ركن الصلاة، والله تعالى أعلم.

  • السفر إلى الصين دون محرم

    أنا موظفة في إحدى الشركات، وتريد هذه الشركة أن أسافر إلى الصين لدراسة كورس؛ فهل يجوز لي السفر من غير محرم؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فلا يجوز للمسلمة السفر بغير محرم؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة} متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وهو في موطأ مالك كذلك، وفي رواية لمسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما {لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاث ليال إلا ومعها ذو محرم} وفي رواية له وللترمذي وأبي داود عن أبي سعيد رضي الله عنه {لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً يكون ثلاثة أيام فصاعداً إلا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو أخوها أو ذو محرم منها} وروى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذو حرمة منها} وفي رواية ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه {لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم واحد ليس لها ذو حرمة} وروى أحمد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال {لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر يوماً إلا مع ذي محرم} وروى مالك في الموطأ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال {لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها} وقد نقل الحافظ ابن حجر الإجماع على ذلك فقال: استدل به على عدم جواز السفر للمرأة بلا محرم، وهو إجماع في غير الحج والعمرة والخروج من دار الشرك.أ.هـ

    هذا وقد يتعلق بعض الناس باختلاف الروايات المذكورة في تحديد المدة التي يحرم فيها سفر المرأة بلا محرم؛ فيقول: إن النهي خاص بالزمن الماضي نسبة لطول المدة التي يستغرقها سفر المرأة حتى تصل إلى الغاية التي تريد، أما في زماننا فالسفر ما عاد يستغرق سوى ساعات معدودات وقد تطورت وسائله فلا يشمله النهي، والجواب كما قال العلماء: اختلاف هذه الألفاظ لاختلاف السائلين واختلاف المواطن؛ وليس في النهي عن الثلاثة تصريح بإباحة الليلة أو البريد. قال البيهقي رحمه الله: كأنه صلى الله عليه وسلم سئل عن المرأة تسافر ثلاثاً بغير محرم؟ فقال: لا. وسئل عن سفرها يومين بغير محرم؟ فقال: لا. وسئل عن سفرها يوماً؟ فقال: لا. وكذلك البريد. فأدَّى كلٌ منهم ما سمعه، وما جاء منها مختلفاً عن رواية واحدٍ فسمعه في مواطن، فروى تارة هذا وتارة هذا، وكله صحيح، وليس في هذا كله تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر، ولم يُرد صلى الله عليه وسلم تحديد أقل ما يسمى سفراً؛ فالحاصل أن كل ما يسمى سفراً تنهى عنه المرأة بغير زوج أو محرم، سواء كان ثلاثة أيام أو يومين أو يوماً أو بريداً أو غير ذلك لرواية ابن عباس المطلقة، وهي آخر روايات مسلم السابقة {لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم} وهذا يتناول جميع ما يسمى سفراً. والله أعلم.أ.هـ بنقل النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم. وقال المنذري رحمه الله: وليس في هذه تباين؛ فإنه يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم قالها في مواطن مختلفة بحسب الأسئلة، ويحتمل أن يكون ذلك كله تمثيلاً لأقل الأعداد؛ واليوم الواحد أول العدد وأقله، والاثنان أول الكثير وأقله، والثلاثة أول الجمع؛ فكأنه أشار إلى أن هذا في قلة الزمن لا يحل لها السفر مع غير محرم، فكيف إذا زاد.أ.هـ وقال الحافظ رحمه الله: وقد عمل أكثر العلماء في هذا الباب بالمطلق لاختلاف التقييدات.أ.هـ

    والعلة في هذا النهي والله تعالى أعلم أن المرأة فتنة وانفرادها سبب للمحظور؛ لأن الشيطان يجد السبيل بانفرادها فيغري بها ويدعو إليها. وقوله صلى الله عليه وسلم {لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر… الحديث} قال الباجي رحمه الله: والنهي خرج بمعنى التغليظ؛ يريد أن مخالفة هذا ليست من أفعال من يؤمن بالله ويخاف عقوبته في الآخرة؛ أ.هـ وقد عدَّها بعض أهل العلم في الكبائر كما قال ابن حجر الهيتمي رحمه الله: الكبيرة المائة: سفر المرأة وحدها بطريق تخاف فيها على بُضعها. إلى أن قال: عدُّ هذا بالقيد الذي ذكرته ظاهر لعظيم المفسدة التي تترتب على ذلك غالبا، وهي استيلاء الفجرة وفسوقهم بها؛ فهو وسيلة إلى الزنا وللوسائل حكم المقاصد؛ وأما الحرمة فلا تتقيد بذلك بل يحرم عليها السفر مع غير محرم وإن قصر السفر وكان أمناً ولو لطاعة كنفل الحج أو العمرة ولو مع النساء من التنعيم، وعلى هذا يحمل عدهم ذلك من الصغائرأ.هـ

    وعليه: فلا يجوز للمرأة السفر إلى الصين أو إلى غيرها من بلاد الله إلا بصحبة محرم، وهو الذكر البالغ العاقل الذي يحرم نكاحه على التأبيد، وقوله صلى الله عليه وسلم إلا مع ذي محرم يدل على أن جميع المحارم سواء في ذلك، فيجوز لها المسافرة مع محرمها بالنسب كابنها وأخيها وابن أخيها وابن أختها وخالها وعمها، ومع محرمها بالرضاع كأخيها من الرضاع وابن أخيها وابن أختها منه ونحوهم، ومع محرمها من المصاهرة كأبي زوجها وابن زوجها، ولا كراهة في شيء من ذلك.

    وعلى الأخت السائلة أن تعلم أن الرزق مكتوب مقسوم، وأنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، وأن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، والعلم عند الله تعالى.

  • آيات شيطانية

    السلام عليكم فضيلة الشيخ الدكتور عبد الحي يوسف، لديَّ استفسار هام عن قصة الآيات الشيطانية التي تطرق لها المفكر سلمان رشدي في كتابه آيات شيطانية حيث قال:

    إن بعض آيات القرآن أنزلت للموافقة على أكثر ثلاثة أرباب مشهورة ومحببة كانت توجد في مكة ذلك الوقت؛ لتكون القادة على الأرباب، وهي ما يقول عنه المفسرون أن الشيطان ألقاه في أمنية محمد عند قراءته سورة النجم ((أرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى تلك الغرانيق العلى وان شفاعتهم لترجى)) هناك من فسروا الآيات على أنها كانت مناورة تكتيكية من محمد لمراضاة أهل مكة، لكنه اكتشف بالنهاية أنها تضر باستراتيجيته المستغلة لفكرة وحدانية الله، فنسخ هذه الآيات بالآية: ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلك مِنْ رَسُول وَلَا نَبِيّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَان فِي أُمْنِيَّته فَيَنْسَخ اللَّه مَا يُلْقِي الشَّيْطَان ثُمَّ يُحْكِم اللَّه آيَاته وَاللَّه عَلِيم حَكِيم)) وبعضهم قال أن الشيطان دخل على الخط بينما كان جبريل يلقن محمد صلى الله عليه وسلم الآية. وآخر قال أن تلك الآيات لم تتنزل عن طريق جبريل وإنما كان الشيطان هو الذي وسوس بتلك الآيات ولم يعلم بذلك النبي محمد صلى الله عليه وسلم ذلك الوقت!! وبعض ذهب لـ أنه ظل الرسول عليه الصلاة والسلام يرددها قبل الوحي، ورددها بعد الوحي في هذه الحادثة، وقال إنها آية شيطانية وأنها ليست آية ولكنها تلبية لقريش، ظلت قريش عشرات السنين ترددها ورددها محمد أيضاً في سورة النجم، وكانت في السنة الثامنة قبل الهجرة، وظل المسلمون يرددون عبارة الغرانيق العلى في سجودهم حتى السنة الخامسة بعد الهجرة، أي أنهم ظلوا يصلون بها من حوالي 12- 13 سنة، حتى قويت شوكة محمد وحتى عندما تقرر أن الله هو الإله الوحيد بين آلهة العرب!!

    أريد أن اعرف ما هي صحة هذا؟ إذا كان هناك نسبة من الصحة في هذه الرواية أصلاً فما هي تلك النسبة؟ كل ما أرجوه أن تذكر الرواية الحقيقية لما حدث بارك الله فيك ووفقك لما هو فيه خير للناس.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فقبل الإجابة على ما طرحت من أسئلة أرجو التنبيه على أمور:

    أولها: أنه ما ينبغي للمسلم أن يَعْمَدَ إلى قراءة الكتب التي حَكَمَ عليها أهل العلم الثِّقات بأنها حاويةٌ تُرَّهاتٍ وأباطيل، لا خوفاً من تلك الكتب، وإنما خوفاً على ذلك المسلم من أن تقع في قلبه شبهة تفسد عليه دنياه وآخرته، وقد قرَّر علماؤنا أن القلوب ضعيفة والشُّبَهَ خطَّافة، وقد غضب النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى في يد عمر رضي الله عنه صحيفة من التوراة وقال له {أمتهوكون يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي} وذلك في أول الإسلام، وقال عليه الصلاة والسلام {من سمع بالدجال فلينأ عنه – أي يبتعد -؛ فوالذي نفسي بيده إن الرجل ليأتيه يحسب نفسه مؤمناً فيتبعه لكثرة ما يبعث من الشبهات}

    ثانيها: هذه الكتب يتفرغ لقراءتها وتفنيد باطلها ثلةٌ من أهل العلم ممن رسخت أقدامهم وقوي يقينهم؛ ولذلك لما رسخ الإسلام في القلوب وتعلَّم الناس الفرائض والأحكام أذن صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن يقرأ في كتب يهود لما أصاب زاملتين من كتبهم يوم خيبر، وما زال أهل العلم يتصدَّون لمناظرة المبطلين من الكفار والمشركين والمبتدعة ويدفع الله بهم شراً عظيما، أما عامة الناس فما ينبغي لهم التعرض لمثل ذلك حذراً عليهم من الضلال؛ وما ينبغي لمسلم أن يحمل نفسه من البلاء ما لا تطيق.

    ثالثاً: أراك تصف ذلك الأفاك (بالمفكر) وما رأيت مسلماً قط أنعم عليه بتلك الصفة، بل الاتفاق حاصل على أنه كذاب أشر، ليس في كتابه ذاك أثارة من علم أو فن أو أدب، بل هي مجموعة من التخرصات والأكاذيب مدعومة بجملة من الشتائم الرخيصة التي تدل على فساد ذوق وقلة حياء عياذاً بالله من الخذلان، ولو كان مفكراً لتصدى لمناقشة الأمور كلِّها بتجرد العلماء ودأب المخلصين، لا أن ينزوي كالفأر المذعور، ويعيش حياةً الموت خير منها. وقد تعلَّمنا من كتاب ربنا ألا نفخِّم أهل الباطل؛ فترى ربنا في القرآن يشنع على المشركين ويضع من قيمتهم فيقول ((تبت يدا أبي لهب)) ولا يسميه باسمه!! ويقول عن عقبة بن أبي معيط ((ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا)) ويقول عن الوليد بن المغيرة ((ذرني ومن خلقت وحيدا)) ويقول عن طواغيت البشر ((إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين)) ويقول ((وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون))

    رابعاً: ليس فيما طرحه هذا الأفاك جديد، بل هو مُقتاتٌ على موائد من سبقه، ولربما أثبتت الأيام في قابلها أنه ما كتب شيئاً، وإنما كُتب له؛ يدلك على ذلك أن هذه القصة ما زال المستشرقون والمبشِّرون يطبلون لها ويزمِّرون وينفخون فيها ويزيدون من أجل أن يثبتوا أنه قد دخل في القرآن ما ليس من كلام الله!! وهيهات هيهات فما ضر شمسَ الضحى في الأفق ساطعة ألا يرى نورها من ليس ذا بصر؟

    ومهما يكن من أمر فقد اعتنى أهل العلم – جزاهم الله خيراً – بتبديد ظلمات تلك الشبهات أمام أنوار الوحي، وخلاصة ما ذكروه:

    1ـ أن هذه القصة باطلة نقلاً؛ حيث طعن فيها كثيرون من المحدِّثين والمحققين الجامعين بين الرواية والدراية؛ كابن خزيمة والبيهقي والقاضي عياض بن موسى اليحصبي والقاضي أبي بكر بن العربي المالكي والحافظ عماد الدين ابن كثير الدمشقي، ومن ذلك ما قاله القاضي عياض في كتابه (الشفا): إن هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب؛ المتلقِّفون من الصحف كل صحيح وسقيم، ومن حُكيت عنه هذه المقالة من المفسرين والتابعين لم يسندها أحد منهم، ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية..الخ

    2ـ الاضطراب الفاحش واضح في سياق القصة برواياتها المختلفة؛ فمرة تُروى أنه كان صلى الله عليه وسلم في الصلاة، ومرة أنه خارج الصلاة، وقائل يقول: حدث بها نفسه؛ وآخر يقول: بل ألقاها الشيطان على لسانه، وقائل يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قالها وهو ناعس، وآخر يقول: أعلمهم الشيطان أن النبي قالها!! ومن قائل يقول: إن الشيطان انتهز سكتة من سكتات النبي صلى الله عليه وسلم فقرأها حاكياً صوت النبي صلى الله عليه وسلم!!

    3- هذه القصة لم يخرجها أحد من أصحاب الكتب المعتمدة؛ فلا تجد لها ذكراً في الصحيحين ولا موطأ مالك ولا مسند أحمد، ولا سنن الدارمي ولا السنن الأربعة، بل الثابت في البخاري من رواية ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ النجم وهو بمكة، فسجد معه المسلمون والمشركون والإنس والجن}

    4- لم يعرف في لغة العرب وصف الآلهة على سبيل المدح بالغرانيق؛ وما أُثِر ذلك في نظمهم ولا خُطَبهم، والذي تعرفه اللغة أن الغرنوق والغرنيق اسم لطائر مائي أسود أو أبيض، ومن معانيه الشاب الأبيض الجميل، وقد يطلق على غير ذلك، ولا شيء من تلك المعاني يلائم معنى الإلهية أو الأصنام حتى يطلق في فصيح الكلام الذي يُعرَض على أمراء الفصاحة والبيان

    5- القصة مصادمة للقرآن في قوله تعالى ((إن عبادي ليس عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين)) وقوله تعالى ((إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون)) وقوله تعالى ((قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين . إلا عبادك منهم المخلصين)) ومحمد صلى الله عليه وسلم هو سيد عباد الله المخلصين المؤمنين المتوكلين؛ فأنى أن يكون للشيطان عليه سبيل؟!!

    6- نقل القاضي عياض رحمه الله تعالى إجماع الأمة على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من أن يجري لفظ الكفر على قلبه أو لسانه لا عمداً ولا سهوا، أو أن يشتبه عليه ما يلقيه الملك بما يلقيه الشيطان، أو يكون للشيطان عليه سبيل، أو أن يتقول على الله لا عمداً ولا سهواً ما لم ينزل عليه؛ قال تعالى ((ولو تقول علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد عنه حاجزين))

    7- مما يدل على كذب القصة أن الآيات التي أعقبت تلك الآيات التي زعمها المفترون هي قوله تعالى ((إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى)) فأيُّ مناسبةٍ بين الثناء على الآلهة المدَّعاة في الآيات التي اختلقوها وبين هذه الآيات التي فيها تشديد النكير على عابديها؟ وكيف يطمئن إلى هذا التناقض السامعون وهم أهل اللَّسَن والفصاحة؟

    8- وأما قول الكذاب بأنها كانت مناورة من النبي صلى الله عليه وسلم وحاشاه من ذلك، فإنه مردود بداهة بأنه عليه الصلاة والسلام من يومه الأول في الدعوة جابه المشركين بذم آلهتهم والدعوة إلى عبادة الإله الواحد جل جلاله؛ فكيف يتأتى له ذلك، وكيف يقبل المشركون أن يذمَّ آلهتهم بالليل والنهار ثم يفرحون حين يشبهها بالغرنوق الذي هو طائر مائي كما تقدم؟ ((سبحانك هذا بهتان عظيم))

    9- وأما قوله بأن المسلمين طفقوا يرددونها في سجودهم حتى السنة الخامسة من الهجرة؛ فتلك فرية ما سبقه إليها أحد!! ولو كان الكذاب مسلماً لعلم أن السجود لا يُقرأ فيه القرآن أصلاً، فقد نهينا أن نقرأ القرآن راكعين وساجدين، لكنه لعظيم جهله وكفره لا يفرِّق بين الركن الذي يقرأ فيه القرآن وغيره.

    10- سجود المشركين غير مستغرب؛ فإن القرآن قد أسرهم بفصاحته وبهتهم ببلاغته؛ وقد تكرر منهم ما يدل على أن القرآن قد أخذ بمجامع قلوبهم؛ كقول الوليد بن المغيرة: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما يقول هذا بشر!! وكذلك عتبة بن ربيعة لما تلا عليه النبي صلى الله عليه وسلم صدر سورة فصلت إلى أن بلغ قوله تعالى ((فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود)) فألقى الله الرعب في قلبه، حتى وضع يده على فم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ناشدتك الله والرحم أن تكف!! فما الذي يستغرب من سجودهم والسورة تقرع أسماعهم وتزلزل أفئدتهم، والذي يتلوها هو النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم الذي ما كان أحد أحسن صوتاً ولا تلاوة منه؟!

    وأخيراً أيها السائل أقول: قد كتب علماؤنا المعاصرون في تفنيد تلك الشبهة ودحضها كتابات كثيرة، ومن ذلك ما رقمه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله في رسالة سماها (نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق) وكذلك اعتنى بالرد عليها الأستاذ سيد قطب رحمه الله في تفسير سورة النجم في الظلال وكذلك الشيخ العلامة محمد أبو شهبة في (السيرة النبوية) وغيرهم من أهل العلم، فارجع إلى تلك المصادر تجد فيها ما يشفي العليل ويروي الغليل، والله الهادي إلى سواء السبيل.

  • قرأ سورة النجم وما سجد

    السلام عليكم، قرأ الإمام آخر سورة النجم ثم ركع ولم يسجد. ظن بعض المصلين في الصفوف الأخيرة أنه كبر للسجدة فسجدوا ثم لما سمعوا الإمام يقول “سمع الله لمن حمده” قاموا من سجودهم ووافقوا الإمام في بقية الصلاة فماذا عليهم؟؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته؛ أما بعد.

    فالإمام مسيء فيما فعل؛ إذ ما كان ينبغي له أن يقرأ آية سجدة دون أن ينبه المأمومين قبل الصلاة؛ وذلك لما يحدثه من الإلباس والاشتباه والتشويش عليهم في صلاتهم؛ وحيث قرأها كان ينبغي له السجود خاصة وأن جمهور العلماء – من الحنفية والشافعية والحنابلة – يسجدون فيها؛ لكنه أخطأ مرتين غفر الله لنا وله؛ وهؤلاء المأمومون ليس عليهم شيء؛ لأنهم ما تعمدوا مخالفة الإمام؛ بل سارعوا إلى متابعته بعد علمهم بالخلل الذي كان، والله تعالى أعلم.

زر الذهاب إلى الأعلى