الفتاوى

  • رأيت امرأة جاري عارية

    لقد نظرت من فوق حائط الجار، ورأيت امرأة تخلع ملابسها تماماً!! ولم أستطع غض نظري، مع العلم بحق الجار عليَّ؛ ما هي كفارتها؟ وأنا نادم على الفعل، ولقد رحلت من ذلك الحي.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالواجب على الجار أن يحفظ حق جاره ويصون حرماته، وقد كان ذلك مما يتفاخر به أهل الجاهلية؛ حتى قال قائلهم: وأغض طرفي ما بدت لي جارتي  + حتى يواري جارتها مأواها. وما حدث منك يعتبر بائقة عظيمة وتعدياً على ذلك الجار، وقد قال صلى الله عليه وسلم {لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه} والواجب عليك التوبة إلى الله تعالى مما كان، ولو استطعت أن تطلب العفو منهم جملة دون أن تفضح نفسك فهو أولى، والله تعالى أعلم.

  • استعمال السواك في المسجد

    هل يجوز استعمال السواك داخل المسجد وفي صف الصلاة؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء} أخرجه مالك وأحمد والنسائي وصححه ابن خزيمة، وذكره البخاري تعليقا. وقد ورد في الأحاديث ما يدل على أن السواك من سنن المرسلين وأنه من خصال الفطرة وأنه مرضاة للرب مطهرة للفم وأن فضل الصلاة التي يستاك لها سبعون ضعفاً، إلى غير ذلك من الفضائل، وهو سنة. قال النووي: بإجماع من يعتد به في الإجماع. مستحب في كل وقت لكن يتأكد استحبابه في خمسة أوقات: عند الوضوء، وعند الصلاة، وعند تغير الفم، وعند قراءة القرآن، وعند الاستيقاظ من النوم. قال ابن دقيق العيد: السر فيه ـ أي في السواك عند الصلاة ـ أنَّا مأمورون في كل حال من أحوال التقرب إلى الله أن نكون في حالة كمال ونظافة؛ إظهارا لشرف العبادة، وقد قيل: إن ذلك الأمر يتعلق بالملك، وهو أن يضع فاه على فم القارئ ويتأذى بالرائحة الكريهة. فسُنَّ السواك لأجل ذلك.أ.هـ

    قال الصنعاني رحمه الله في سبل السلام: هل يسن ذلك للمصلي وإن كان متوضئاً كما يدل له حديث: {عند كل صلاة}؟ قيل: نعم يسن ذلك، وقيل لا يسن إلا عند الوضوء؛ لحديث {مع كل وضوء} وأنه يقيد إطلاق {عند كل صلاة} بأن المراد عند وضوء كل صلاة. ولو قيل: إنه يلاحظ المعنى الذي لأجله شرع السواك، فإن كان قد مضى وقت طويل يتغير فيه الفم بأحد المتغيرات التي ذكرت وهي: أكل ما له رائحة كريهة، وطول السكوت، وكثرة الكلام، وترك الأكل والشرب، شرع وإن لم يتوضأ وإلا فلا لكان وجه.

    وعليه: فلا حرج في استعمال السواك داخل المسجد وفي صف الصلاة مع الاحتراز من أن يخرج شيء من الدم من فمه؛ وذلك خروجاً من خلاف العلماء، والله تعالى أعلم.

  • عاجز عن أداء زكاة الفطر

    ما حكم العاجز عن زكاة الفطر؟ ولم يؤدها عامدًا؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالمقرر في شريعتنا أن التكليف قرين القدرة، ومن عجز عن الشيء فإنه لا يحاسب عليه ولا يطالب به، قال تعالى ((لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)) وقال ((لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها)) فمن عجز عن إخراج الزكاة لكونه غير مالك لقوت يوم العيد وليلته، أو أنه يملك القوت ولا يوجد ما يفضل عنه مما يخرج منه الزكاة فلا تثريب عليه، والله تعالى أعلم.

  • دخول الكافر للمسجد الحرام

    أرجو من المشرف سؤال الشيخ عبد الحي عن دليل تخصيص المسجد الحرام ـ مكة أو المدينة ـ من دخول الكافر دون بقية المساجد؟ ولكم جزيل الشكر والعرفان

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فإن الله تعالى يقول في كتابه الكريم )يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا( وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه بهذه الآية عام تسع من الهجرة؛ فأمر الصديق أبو بكر رضي الله عنه منادياً ينادي في الناس {ألا يحجن بعد هذا العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان} وحرم رسول الله حكمه كحرم مكة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم {إن الله تعالى حرم مكة وإني حرمت المدينة} إلا ما استثناه الشرع من جواز دخوله بغير إحرام، وللفائدة فإن لفظة المسجد الحرام تطلق في لسان الشرع مراداً بها أحد ثلاثة معان:

    أولها: خصوص الكعبة المشرفة؛ كما في قوله تعالى )فول وجهك شطر المسجد الحرام(

    ثانيها: المسجد المحيط بالكعبة المشرفة؛ كما في قوله صلى الله عليه وسلم {صلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة فيما سواه من المساجد}

    ثالثها: الحرم كله؛ كما في الآية الكريمة )سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى( وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أسري به من بيت أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها

    وأما غير المسجد الحرام فلا حرج في دخول الكافر إن دعت لذلك حاجة كمناظرته على الإسلام، أو دعوته إليه، أو الاستعانة به في عمل لا يقدر عليه المسلم، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في ربط ثمامة بن أثال في سارية المسجد لما أسره الصحابة رضي الله عنهم، وكذلك ناظر وفد نصارى نجران في مسجده الشريف، والعلم عند الله تعالى.

  • تقبيل يد الصالحين

    لديَّ جار كان يناقشني بأنه يجوز تقبيل أيدي الصالحين والشيوخ، وبأنه يوجد حديث صحيح يجيز تقبيل أيدي الصالحين، فهل هذا الكلام صحيح؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فالمستحب إذا لقي المسلم المسلم أن يصافحه ويتبسم في وجهه، وهذا هو الهدي المضطرد من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا حرج على المسلم من تقبيل أيدي الصالحين وأهل العلم والتقى إذا كانت على وجه التقرب إلى الله تعالى؛ لما ثبت في الصحيح من حديث وفد عبد القيس قالوا: لما قدمنا المدينة فجعلنا نتبادر من رواحلنا فنقبل يد النبي صلى الله عليه وسلم ورجله. وفي سنن الترمذي والنسائي وابن ماجه ومستدرك الحاكم وصححه من حديث صفوان بن عسال رضي الله عنه أن يهوديين أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فسألاه عن تسع آيات… الحديث وفي آخره: فقبلا يده ورجله. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقد روي ذلك من فعل عدد من الصحابة الكرام حيث قبَّل أبو لبابة وكعب بن مالك وصاحباه يد النبي صلى الله عليه وسلم حين تاب الله عليهم، وقبَّل أبو عبيدة يد عمر حين قدم، وقبَّل زيد بن ثابت يد ابن عباس حين أخذ ابن عباس بركابه، وقبَّل علي بن أبي طالب يد العباس ورجله، قال النووي رحمه الله تعالى: تقبيل يد الرجل لزهده وصلاحه أو علمه أو شرفه أو صيانته أو نحو ذلك من الأمور الدينية لا يكره بل يستحب، فإن كان لغناه أو شوكته أو جاهه عند أهل الدنيا فمكروه شديد الكراهة، وقال أبو سعيد المتولي: لا يجوز. والله تعالى أعلم.

  • زكاة الشركات

    هنالك شركة مسجَّلة في برطانية ولديها فرع مسجَّل في السودان منذ عشرات السنين، هذا الفرع لم يكن لديه ملف زكاة في السودان ولم تكن عليه زكاة، المساهمون فى الشركة أعلاه (وهم شركة) باعوا أسهمهم لشركة أخرى، وحسب قانون الشركات فإن بيع الأسهم لا يغيِّر في شخصية الشركة الاعتبارية بمعنى أنها تكون بنفس الرقم ونفس الأهداف واللوائح وما لها وما عليها من إلتزامات.

    المساهمون الجدد قرَّروا تغيير إسم الشركة وجاء الاسم الجديد منسوباً لدولة عربية وتم تغيير الإسم في كل من بريطانية والسودان، سلطات الزكاة في السودان طالبتهم باستخراج الزكاة بعد حول من تغيير الإسم.

    السؤال: هل يجوز أن نطلق وصف (شخص مسلم) على الشركة وبالتالي تجب عليه الزكاة؟ وهل مجرد تغيير اسم الشركة إلى اسم متضمناً اسم دولة عربية موجباً للزكاة مع العلم أن رقم الشركة وجنسيتها والتزاماتها لم تتغير؟ أفيدونا أفادكم الله

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فمعلوم أن الزكاة واجبة في سائر الأموال الزكوية – وهي بالإجماع في بهيمة الأنعام والزروع والثمار والنقود الورقية وعروض التجارة – سواء كانت لفرد واحد أم شركة بين أفراد كثيرين، وفي الشركات التي يملكها أفراد متعددون يكون كل شريك مسئولاً عن تزكية نصيبه في الشركة إذا كان بالغاً نصاباً وحال عليه الحول، اللهم إلا إذا اتفق الشركاء على توكيل مدير الشركة في تزكية جميع أموال الشركاء، سواء كانت الشركة رابحة أم خاسرة ما دامت الموجودات الزكوية فيها من أموال وأعيان قد تمت فيها شروط الزكاة

    وعليه فإن الجواب عن هذا السؤال يدور مع هوية القائمين على تلك الشركة أمسلمون هم أم غير مسلمين؟ فإن كانوا مسلمين فالزكاة عليهم واجبة ولا أثر للاسم سواء أكان عربياً أم أعجميا، ولا تأثير كذلك لقانون الشركات الذي لا يرى أثراً لتغيير الاسم في شخصية الشركة الاعتبارية لأن هذا الأمر خارج عن محل السؤال ها هنا، والعلم عند الله تعالى

  • قراءة القرآن جماعة

    هل يجوز قراءة القرآن جماعة؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فإن قراءة القرآن جماعة لا تشرع إلا إذا كانت على سبيل التعليم، أما في حال التعبد فإما أن يقرأ الإنسان وحده، وإما أن يستمع إلى غيره كما كان حال رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، قال وهب: سألت مالكاً: أرأيت القوم يجتمعون فيقرؤون جميعاً سورة واحدة حتى يختموها؟ فأنكر ذلك وعابها وقال: ليس هكذا تصنع الناس؛ إنما كان يقرأ الرجل على الآخر يعرضه. والله أعلم.

  • مقابلة الرجال في فترة العدة

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    س1: رجل خصص له مكان عمله موتر للحركة ويُعطى تذاكر وقود، ولما كان لا يحتاج الي كل كمية الوقود المصدقة له فإنه يبيع بعض تذاكر الوقود وجالونات الزيت  لصيانة الموتر هل يحق له ذلك؟ وهل يحق له أن  يستخدم بعض تذاكر الوقود لمشاوير خاصة في سيارة غير الموتر؟

    س2: هل يصح للمرأة المتوفى عنها زوجها أن تقابل رجالاً من غير المحارم أثناء عدتها؟

    س3: ما حكم القنوت في الصلاة؟ وهل تصح صلاة من نسيه سهوا؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فتصرف هذا الرجل في وقود الموتر وتذاكره، وما يكون منه من صرف هذا في صيانة ذالك ينبغي له الرجوع فيه إلى مسئوليه في المؤسسة من أجل مراجعة اللائحة المنظمة لهذا الشأن والالتزام بها؛ عملاً بعموم قوله تعالى {أوفوا بالعقود} وقوله صلى الله عليه وسـلم “المسلمون على شروطهم”

    ولا حرج على المرأة المعتدة في مقابلة رجال من غير المحارم؛ إما لأجل تعزيتها أو لغير ذلك من الأغراض المشروعة، على أن تكون في كامل حجابها ولا يحصل مصافحة ولا خلوة ولا غير ذلك من المحاذير الشرعية، يدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسـلم دخل على آل جعفر بعد وفاته بثلاثة أيام فعزى زوجه أسماء بنت عميس رضي الله عنها، ودعا بالحلاق فحلق رأسي عبد الله ومحمد ابني جعفر رضي الله عنهم أجمعين.

    ولا حرج على من ترك القنوت في الصلاة عمداً أو سهواً، ولا يلزمه سجود سهو بتركه، والعلم عند الله تعالى.

  • كيفية العزاء

    التعزية بتقاليدها المعروفة بأن تذهب للمأتم وترفع يديك وبصوت مسموع تقول: (الفاتحة) ليقوم من بالصيوان ليرفع معك الفاتحة، ومنهم من يقرأ سورة الفاتحة، ومنهم من يقرأ سورة الإخلاص، ومنهم من يحرك شفتيه فقط، ما حكم هذا؟ وما هي التعزية الشرعية؟ وجزاكم الله خيراً

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فإذا كان السؤال متعلقاً بما جرت عليه عادة بعض الناس من قراءة الفاتحة عند تقديم العزاء؛ فنقول هذا ليس من السنة، ولا هو من مقاصد العزاء؛ إذ العزاء مشروع كما يقول علماؤنا من أجل تحقيق عدة فوائد، إحداها: تهوين المصيبة على المعزَّى وتسليته عنها وحضُّه على التزام الصبر واحتسابه الأجر والرضا بالقدر والتسليم لأمر الله تعالى، ثانيها: الدعاء بأن يعوضه الله عن مصابه جزيل الثواب، ثالثها: الدعاء للميت والترحم عليه والاستغفار له، شرح مختصر خليل للخرشي 2/130، وقال النووي رحمه الله: وهي مشتملة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي داخلة أيضاً في قوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى وثبت في الصحيح أن رسول الله قال {والله ُفي عون العبد ما كان العبد في عون أخيه} الأذكار/135

    فإذا كان رفع اليدين إنما يكون للدعاء للميت فلا حرج في ذلك إن شاء الله تعالى، والله أعلم.

  • رد السنة والتشكيك في حد الرجم

     أطل علينا من قناة الشروق في برنامج مقاربات دكتور يدرس في جامعة النيلين (لا داعي لذكر اسمه) كان يقول إن الأحاديث التي يجب أن نقر بصحتها هي فقط التي لها تأييد من آيات القرآن، أما غير ذلك فهو مشكوك فيها بحجة أن الأحاديث لم يتم جمعها إلا في عهد عمر بن عبد العزيز أي بعد قرن ويزيد من وفاة المصطفى عليه أفضل السلام … وكذلك ينكر عذاب القبر بحجة أن العذاب لا يجدي إلا إذا كان الإنسان حياً وليس هناك حياة بعد الموت إلا عند البعث يوم القيامة وجاء بآيات استدل بها منها علي سبيل المثال {من بعثنا من مرقدنا….} ما حكم هذا الكلام؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

     فقول هذا القائل إن السنة لم تدوَّن إلا بعد مائتي سنة من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم هو قولٌ مجافٍ للحقيقة؛ إذ في الأمر تفصيل يحسن الإحاطة به؛ حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم قد منع من ذلك في بداية الأمر حيث روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن، ومن كتب عني شيئاً سوى القرآن فليمحه” رواه مسلم. ثم أباحه بعد ذلك بدليل قصة أبي شاهٍ اليمني – التي رواها أبو هريرة رضي الله عنه – حين التمس من النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب له شيئاً سمعه في خطبته عام فتح مكة” فقال صلى الله عليه وسلم ” اكتبوا لأبي شاة” متفق عليه، ويدل على أن الكتابة قد حصلت من زمان النبي صلى الله عليه وسلم حديث عليٍّ رضي الله عنه في الصحيحين حين سئل: هل خصَّكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء من الوحي؟ فقال: “لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهماً يؤتيه الله رجلاً في كتابه وما في هذه الصحيفة” ثم ذكر أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم مكتوبة فيها. وفي البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: “لم يكن أحد أكثر حديثاً عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب” وفي رواية: “استأذن رسول الله في الكتابة فأذن له” وفي السنن: أن عبد الله بن عمرو قال يا رسول الله: أكتب عنك في الرضا والغضب؟ فقال اكتب فو الذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق” وأشار بيده إلى فيه.

    وليس في ذلك غرابة فإن أموراً أخرى من جنس ذلك قد نهي عنها ثم أبيحت؛ كنهيه صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور ثم ترخيصه فيها، ونهيه عن القراءة في كتب أهل الكتاب ثم إباحته ذلك، فلعل النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك أولاً خشية اختلاط كلامه بالقرآن حين يكون في الصحف؛ ثم إذن حين أمن ذلك. أو لعله أذن في الكتابة عنه لمن خشي عليه النسيان، ونهى عن الكتابة عنه لمن وثق بحفظه مخافة الاتكال على الكتابة، ثم زال الاختلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته، ولولا التدوين لدرس في الأعصر الأخيرة.

    وقد كان الصحابة يكتب بعضهم لبعض؛ ففي مسند الإمام أحمد عن أبي عثمان النَّهدي قال: كنا مع عتبة بن فَرقَد فكتب إليه عمر بأشياء يحدثه عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكان فيما كتب إليه أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “لا يَلبَسُ الحريرَ في الدنيا إلا من ليس له في الآخرة منه شيء، إلا هكذا” وقال بإصبعيه السبابة والوسطى. قال أبو عثمان: فرأيت أنها أزرار الطيالسة، وكذلك التابعون لهم بإحسان؛ فهذا عروة بن الزبير ـ رضي الله عنهما ـ ينقل عن خالته السيدة عائشة رضوان الله عليها فتقول له: يا بنيَّ، بلغني أنك تكتب عنِّي الحديث ثم تعود فتكتبه. فقال لها: أسمعه منك على شيء ثم أعود فأسمعه على غيره. فقالت: هل تسمع في المعنى خلافًا؟ قال: لا. قالت: لا بأس بذلك. وهذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يرسل إلى أبي بكر بن حزم عامله وقاضيه على المدينة قائلاً: (انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء) وأمره أن يكتب ما عند عمرة بنت عبد الرحمن، والقاسم بن محمد. ورغب إلى محمد بن مسلم الزهري أن يكتب بقية حديث أهل المدينة. بل أرسل إلى ولاة الأمصار كلها وكبار علمائها يطلب منهم مثل هذا، فقد أخرج أبو نعيم في تاريخ أصبهان أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أهل الآفاق (انظروا إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجمعوه)

    يقول الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله تعالى: فلما كان عهد عثمان سُمح للصحابة أن يتفرقوا في الأمصار واحتاج الناس إلى الصحابة، وخاصة صغارهم، بعد أن أخذ الكبار يتناقصون يومًا بعد يوم، فاجتهد صغار الصحابة بجمع الحديث من كبارهم فكانوا يأخذونه عنهم. كما كان يرحل بعضهم إلى بعض من أجل طلب الحديث، فقد أخرج البخاري في الأدب المفرد، وأحمد والطبراني والبيهقي، واللفظ له، عن جابر بن عبد الله قال: بلغني حديث عن رجل من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم أسمعه، فابتَعتُ بعيرًا فشددتُ عليه رَحلي ثم سرت إليه شهرًا حتى قدمت الشام، فإذا هو عبد الله بن أُنيس الأنصاري، فأتيته فقلت له: حديثٌ بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المظالم لم أسمعه، فخشيت أن أموت أو تموت قبل أن أسمعه. فقال: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: “يُحشر الناس غُرْلًا بُهْمًا” قلنا: وما بُهْمٌ؟ قال: “ليس معهم شيء، فيناديهم نداء يَسمعه من بعُد كما يَسمعه من قرُب: أنا الدَّيَّان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحدٌ من أهل الجنة عنده مَظلَمة حتى أقتَصَّها منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحدٌ من أهل النار يطلبه بمَظلَمة حتى أقتَصَّها منه حتى اللطمة. قلنا: كيف وإنما نأتي عُراةً غُرْلًا بُهْمًا؟ قال: “بالحسنات والسيئات”.

    وأخرج البيهقي وابن عبد البر عن عطاء بن أبي رباح أن أبا أيوب الأنصاريَّ رحل إلى عتبة ابن عامر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يبق أحد سمعه منه غيره، فلما قدم إلى منزل مَسلَمة بن مَخلَد الأنصاري، وهو أمير مصر، فخرج إليه فعانقه ثم قال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ قال: حديث سمعته من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ستر المؤمن. فقال: نعم، سمعتُ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: “من ستر مؤمنًا في الدنيا على كُربته ستره الله يوم القيامة” ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته، فركبها راجعًا إلى المدينة، فما أدركته جائزة مَسلَمة إلا بعريش مصر.

    وخلاصة القول أن السنة قد بدأ تدوينها من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استكمل الصحابة ذلك بعد وفاته.

    وأما قوله بأن عذاب القبر لا فائدة فيه لأن العذاب لا يؤثر إلا على الحي فقول باطل؛ وهذا القائل إنما أتي من جهة أنه يحكِّم عقله في نصوص الشرع؛ فما قَبِلَه عقله فبها وما لا فلا!! ولا شك أن في هذا المسلك افتياتاً على الشرع لأن الغيبيات لا مدخل للعقول في تكييفها، بل ينبغي الاقتصار فيها على السمعيات، أعني ما جاء في القرآن وما ثبت في صحيح سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ويكفينا أن عالم الأرواح لا نملك تكييفاً له وقد قال الله تعالى {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} فلا يحق لعاقل أن يحتج بمثل هذا الكلام على نصوص ثابتة متواترة في القرآن والسنة؛ كقوله تعالى {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق} وقوله تعالى {النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} وقول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه “تعوذوا بالله من عذاب القبر” وقوله دبر كل صلاة “اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر” وقوله “إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير؛ بلى إنه لكبير” وقوله عليه الصلاة والسلام “إن هؤلاء يعذبون في قبورهم عذاباً تسمعه البهائم” إلى غير ذلك من النصوص، ويمكن للسائل أن يحيل هذا المشكك – إن كان طالباً للحق لا تابعاً للهوى – إلى بعض كتابات أهل العلم ككتاب (التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة) للإمام أبي عبد الله القرطبي رحمه الله تعالى، أو كتاب (الروح) للإمام أبي عبد الله بن القيم رحمه الله تعالى، أو كتاب (شرح الصدور) للإمام الجلال السيوطي رحمه الله تعالى، والله الهادي إلى سواء السبيل.

زر الذهاب إلى الأعلى