الفتاوى

  • فعل الذنوب والإعتماد على رحمة الله

    بعض الناس يرتكب بعض المعاصي الشائعة في حياتنا اليومية على علم منهم ويقول: إن الله غفور رحيم، أو الدين يسر … فما حكم ذلك؟ وهل الآية (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) حجة لهم أم عليهم؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فلا شك أن الله تعالى غفور رحيم، وأنه رحيم ودود، وأنه غزيز غفار، ولا شك كذلك أنه سبحانه شديد العقاب، وأنه عزيز ذو انتقام، وأنه ذو عذاب أليم؛ فالعاقل المؤمن الموفَّق هو من جمع بين الخوف والرجاء؛ فكان على خوف من ربه وخشيه لمولاه، وفي الوقت نفسه يطمع في جزيل عطائه وعظيم عفوه وثوابه، وهكذا كان الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؛ كما قال ربنا جل جلاله في وصفهم {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين}

    وقد هلك من الناس فريقان: فريق أمنوا مكر الله فانبعثوا في الذنوب والمعاصي اتكالاً منهم على نصوص ما أحسنوا فهمها، وفريق قنطوا من رحمة الله وأيسوا من روح الله فظنوا أن ذنوبهم لا تشملها مغفرة الله ولا تسعها رحمته، وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «إنّ اللّه خلق الرّحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة. وأرسل في خلقه كلّهم رحمة واحدة، فلو يعلم الكافر بكلّ الّذي عند اللّه من الرّحمة لم ييأس من الجنّة، ولو يعلم المسلم بكلّ الّذي عند اللّه من العذاب لم يأمن من النّار» وقال ابن مسعود- رضي اللّه عنه- قال: أكبر الكبائر الإشراك باللّه، والأمن من مكر اللّه، والقنوط من رحمة اللّه، واليأس من روح اللّه»

    وأما قول ربنا جل جلاله {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} فحجة على هؤلاء لا حجة لهم؛ لأن الآية تتناول شأن ناس تحصل منهم الآثام لكنهم لا يصرون عليها ولا يستخفون بأمرها بل يسارعون إلى الله بتوبة نصوح ويطلبون من الله مغفرة الذنوب وحط الخطيئات؛ فشتان شتان بين من يعصي ويتوب، وبين من يدمن الخطايا ويصر على الذنوب، وقد قال علماؤنا رحمهم الله تعالى: لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار، وعلى كل مسلم أن يتذكر أن الله تعالى يغار لحرماته أن تنتهك، وقد أخرج آدم من الجنة بأكلة، وطرد إبليس من رحمته بسبب سجدة؛ فالحذر الحذر من التهاون بأمر الله وارتكاب ما نهى عنه جل في علاه، والله ولي التوفيق.

  • الونسة مع العراف

    ما حكم من أتي عرافاً أو كاهناً وتكلمت معه في أمور الحياة العادية فصدقته؟ وما الحكم إذا نصحني في بعض الأمور مثل أن أنقص من وزني لكي أتجنب المرض وصدقته؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    أولاً: لا يعلم الغيب إلا الله، قال الله تعالى (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون) وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم ـ وهو أشرف الخلق ـ أن يقول (لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب) وأن يقول (لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء) وكذلك الجن لا يعلمون الغيب كما قال سبحانه في قصة نبيه سليمان عليه السلام (فلما خرَّ تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين)

    ثانياً: إن الكاهن أو العراف ـ مسلماً كان أو كتابياً ـ  هو من يدَّعي معرفة الغيب من ضارب بالحصى أو الودع أو ناظر في النجوم أو خاطٍّ في الرمل أو قارئ للفنجان أو من له اتصال ببعض الجن الذين يخبرونه ببعض المغيبات، وهذا الكاهن أو العراف يمارس حراماً بادعائه علم الغيب لأنه معارض لقول ربنا في القرآن ((قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله)) وقوله سبحانه ((عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول))

    ثالثاً: وقد حرَّمت الشريعة إتيان هؤلاء الكهان أو الجلوس إليهم أو تصديقهم فيما يدَّعون فقال النبي صلى الله عليه وسلم {من أتى كاهناً أو عرافاً فسأله فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الل عليه وسلم} ولما سأل معاوية بن الحكم رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم عن الكهان قال عليه الصلاة والسلام: {ليسوا بشيء} فقال معاوية: إنهم يخبروننا بالشيء أحياناً فيكون حقاً؟ قال عليه الصلاة والسلام: {تلك الكلمة يخطفها الجني فيلقيها إلى وليه من الكهان قبل أن يدركه الشهاب فيخلط معها مائة كذبة} رواه مسلم.

    ثالثاً: ينبغي إعلام الكاهن أو العراف بأن كسبه خبيث لقول النبي صلى الله عليه وسلم {مهر البغي خبيث، وحلوان الكاهن خبيث، وثمن الكلب خبيث} رواه أحمد

    رابعاً: يحرم موالاة هؤلاء الكهان أو تعظيمهم أو البشاشة في وجوههم ومن وقع في شيء من ذلك لزمته التوبة النصوح، والواجب الشرعي يحتم البراءة منهم وهجرهم وتحذير الناس من شرهم وبيان حكم الشرع فيهم؛ لقوله تعالى ((لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله)) وقوله تعالى ((لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء)) والله تعالى أعلم.

  • أسئلة عن الذهب

    فضيلة الشيخ المبارك، السلام عليكم ورحمة الله

    لي أسئلة متعلقة باستخراج الذهب لتوزع فتواكم على الدعاة المتجهين إلى قافلة نهر النيل؛ لتكون الكلمة واحدة إذا وجهت إليهم..

    1. آبار الذهب التي يملكها الشخص بالشروع في التنقيب فيها أحيانا يبيعها الشخص لغيره ولا يدرى ما فيها، هل يجوز بيعها؟ وهل يصلح أن يتملك البئر أحد بمجرد أن بدأ التنقيب فيها؟
    2. كيف يُزكى الذهب الخارج هذا؟
    3. بعد طحن حجارة الذهب واستخراج ما فيها تباع هذه (الكرتة) هل يجوز هذا؟
    4. بعضهم ينأى عن طريق الاستقامة والصلاة بعد عمله في مجال استخراج الذهب لاعتقاده أن الجن يأتي بالذهب ولا يأتي به لمن كان مستقيما! ما توجه فضيلتكم لهؤلاء؟
    5. هل لمجمع الفقه فتوى حول هذه المسائل؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فإنني أوصي أخواني جميعاً بأن يلتمسوا الرزق الواسع بالأسباب الشرعية، والتي منها الاستغفار؛ فمن لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب، وأوصيهم بتقوى الله {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} كما أوصيهم بصلة أرحامهم؛ فمن سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه، وما ينبغي للإنسان أن يعصي ربه من أجل الرزق بل عليه أن يعلم تماماً أن الأرزاق مقسومة، وأنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها؛ فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم طلب الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله؛ فإن ما عند الله لا يطلب بمعصيته.

    وجواباً على أسئلتك أقول: إن الجن لا يملكون لأحد نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشورا، والواجب علينا ألا نرفعهم فوق منزلتهم؛ وإلا كنا كأهل الجاهلية الذين قال الله عنهم {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا} وليس للجن علم بالغيب كما قال سبحانه {فلما خر تبينت الجن ألو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين} فليتق الله كل منا في نفسه ودينه.

    وبيع البئر التي بدأ شخص ما التنقيب فيها جائز، على اعتبار غلبة الظن بحصول المنفعة فيها؛ فهو من بيع ما ينتفع به غالباً، وكونه يتملكها هذا يرجع إلى العرف الذي جرى في هذا الأمر، وإن كان الذي أراه أنه من بيع المنافع لا من بيع الأعيان؛ فهو يبيعه حق التنقيب لا عين البئر؛ والله أعلم.

    وأما زكاة الذهب الخارج فقد صدرت فتوى مجمع الفقه الإسلامي بإنه إذا كان الذهب المستخرج بالغاً 85 جراماً ففيه الزكاة التي تطلب في الذهب وهي ربع العشر أي 2.5%، وذلك بعد تصفيتها من الشوائب؛ فيخرج الزكاة من قيمة المستخرج حسب سعر السوق.

    وأما بيع الكرتة فلا حرج فيه كذلك؛ لعموم قوله تعالى {وأحل الله البيع} وقوله صلى الله عليه وسلم “إنما البيع عن تراض” ولا تضر الجهالة اليسيرة التي تكتنفه؛ إذ البائع قد باع تراباً لا ذهباً من أجل أن يقال لا بد من معرفة الوزن والمقدار. والله تعالى أعلم.

  • التنقيب عن الذهب من الكتاب والسنة

    هل صحيح أن هناك حديث عن الرسول صلي الله عليه وسلم يحثنا به في التنقيب عن المعادن في باطن الأرض؟ وإن كان يوجد مثل هذا الحديث اذكره لنا

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فإن الله تعالى قد خلق لنا ما في الأرض جميعاً لنفعنا ومصلحتنا، وامتن علينا بذلك فقال {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} وقال {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه} وأمرنا جل جلاله بأن نضرب في مناكبها ونمارس سائر الأنشطة المشروعة التي تعود علينا بالنفع؛ فقال سبحانه {فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه} فيشمل ذلك الزراعة والرعي والاحتشاش والاحتطاب والصناعة والبيوع المشروعة وغيرها، ويدخل في ذلك التنقيب عن كنوز الأرض والتماس خيرات باطنها؛ كما قال سبحانه {له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى} وقد روى الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه عَنْ مَالِكٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَقْطَعَ بِلاَلَ بْنَ الْحَارِثِ الْمُزَنِىَّ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ وَهِىَ مِنْ نَاحِيَةِ الْفُرْعِ فَتِلْكَ الْمَعَادِنُ لاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا إِلاَّ الزَّكَاةُ إِلَى الْيَوْمِ. ففيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح لبلال بن الحارث الانتفاع بمعادن تلك الأرض، وعليه فلا حرج في أن يبحث الإنسان عن المعادن – ذهباً أو غيره – في الأرض المملوكة له، أما في غير أرضه – كالفلاة ونحوها – فلا بد من إذن الحاكم سداً لباب الهرج واختلاف الناس وسفك بعضهم دماء بعض، ويعرف إذن الحاكم صراحة أو ضمناً إذا علم أن الناس ينقبون فلم ينكر عليهم، والله تعالى أعلم.

  • معاملات في استخراج الذهب

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الشيخ د. عبد الحي يوسف

    دار نقاش طويل حول بيع التراب الحاوي للذهب (النفايات) للشركات هل هو حرام أم حلال ونود معرفة الحكم الشرعي في ذلك، وهذا هو تفصيل ما يتم في عمليات البيع والشراء:

    يقوم عمال الحفر بجلب الحجر من الصحراء إلى منطقة العبيدية، بعد ذلك يقومون بطحن الحجر واستخلاص الذهب منه عن طريق الزئبق في أحواض معينة، المتبقى من التراب (النفايات) تبقى عن صاحب الأرض التي أجري فيها الاستخلاص، هذه النفايات تحتوي على كميات من الذهب لكن لا يمكن استخلاصها بواسطة الطرق التقليدية (استخدام الزئبق) لأنها تحتاج إلى تقنيات عالية، لذلك يتكون عند صاحب الأرض كميات كبيرة من التراب المتبقي من عمليات الاستخلاص.

    تقوم الشركة بأخذ عينات من هذا التراب وتجري عليها التحليل الكيميائي لمعرفة محتوى الذهب فيها؛ مثلاً تجد أن الطن يحتوي على 3 جرامات (هذا تقريبيا) تقوم على هذا الأساس بالاتفاق مع صاحب الأرض على أن تشتري منه القلاب، مثلاً بقيمة 200 جنيه سوداني، مع العلم أن كمية الذهب التي يتم الحصول عليها من عملية الاستخلاص قد تختلف تماماً عن الكمية التي وجدت من عملية التحليل، في الغالب تكون بزيادة كبيرة، بالإضافة إلى أن العمال الذين استأجروا المكان من صاحب الأرض لا يشملهم هذا البيع.

    السؤال: ما حكم هذا التعامل الذي يتم بين الشركة وأصحاب الأراضي علماً بأن الشركة تشتري التراب على أساس التحليل الكيميائي فقط، وإذا كان هذا التعامل لا يجوز فما هي الطريقة الصحيحة لاستغلال هذه الكميات لأنها إذا تركت لا يمكن الاستفادة منها، وجزاكم الله خيرا.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فهذه المعاملة التي تتم بين هؤلاء الأشخاص يلزم فيها إيضاح جملة من الأمور:

    أولاً: استخراج كنوز الأرض هو من باب الاستجابة لقول الله تعالى {فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور} وقد ذكر القرآن الكريم صراحة أن الله تعالى خلق هذه الأرض ما على ظهرها وما في باطنها مسخراً لنا ولجلب منافعنا ودفع المضار عنا؛ كما في قوله تعالى {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} وقوله تعالى {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه} وقوله سبحانه {الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه} فالعامل في هذا الباب مأجور إن استحضر نية صالحة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن أطيب الكسب “عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور” وقوله “الجالب مرزوق والمحتكر ملعون” وهذا يأتي تمشياً مع أحكام الشريعة التي حثت على عمارة الأرض والاستفادة من خيراتها؛ قال سبحانه {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها} وقال النبي صلى الله عليه وسلم “من أحيا أرضاً ميتة فهي له”

    ثانياً: قد اقتضت حكمة الله تعالى أن يتبادل البشر المنافع بينهم حسب قدراتهم ومواهبهم، كما قال سبحانه {ورفعنا بعضكم فوق بعض درجات ليتخذ بعضكم بعضاً سخريا} فهذا يجلب الحجارة، وذاك يعمل في تكسيرها، وهذا يستخلص المعدن منها، وذاك يشتري منه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم “دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض” وقد يكون لبعضهم من المهارة والحذق ما ليس للآخر، وقد يتوافر لبعضهم من الإمكانات ما ليس لغيره، وكلٌ يُرزق بما قدَّره الله له.

    ثالثاً: البيع يقع صحيحاً إذا وقع وفق شروطه الشرعية المعتبرة من كون المبيع مباحاً طاهراً معلوماً يمكن الانتفاع به مقدوراً على تسليمه، وقد خلا البيع من الموانع الشرعية كالغرر والربا والغش، والعاقدان كاملا الأهلية قد تراضيا على الثمن والمثمن؛ لعموم قوله تعالى {وأحل الله البيع وحرم الربا} وقوله سبحانه {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} وقول النبي صلى الله عليه وسلم “إنما البيع عن تراض” وقوله صلى الله عليه وسلم “البيعان بالخيار ما لم يتفرقا؛ فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما”

    رابعاً: شراء الشركة قلاب التراب أو أكواماً من التراب، أو جبلاً من التراب، بمبلغ ما على أن تقوم باستخلاص ما فيه من ذهب أو غيره من المعادن، بيع شرعي صحيح إذا وقع وفق الشروط التي سبق ذكرها؛ وقد يعرض ها هنا شبهة الجهالة والغرر، لكنها منتفية إذا علمنا أن التعاقد كان على التراب لا على الذهب؛ فلم يبع صاحب الأرض ذهباً وإنما باع تراباً معلوماً بكميته سواء قيست بالقلاب أو الأكوام أو غير ذلك مما يتواضع عليه الناس؛ وكون الشركة تكسب أرباحاً كثيرة من جراء استخلاص الذهب المدفون في ذلك التراب لا يقدح في صحة البيع؛ إذ الغرم بالغنم، والشركة باذلة جهداً ومالاً في عملية الاستخلاص هذه

    خامساً: العمال المستأجرون للأرض قد ملكوا منفعة الأرض لا رقبتها، بمعنى أن لهم الانتفاع بها حسب الشروط التي كانت في العقد الذي بينهم وبين صاحب الأرض؛ فإذا كان العقد ينص على أن لهم استخراج التراب وبيعه فالواجب على صاحب الأرض الوفاء بذلك الشرط؛ لعموم قوله تعالى {أوفوا بالعقود} وقول النبي صلى الله عليه وسلم “المسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرَّم حلالا” وإن لم يكن ثمة شرط رجع الأمر إلى أصله من كونهم يملكون منفعة الأرض لا عينها.

    هذا والواجب تذكير أصحاب الشركات بأن يجتنبوا الغبن في تجارتهم هذه وألا يستأثروا بالأرباح الكثيرة لأنفسهم ويحرموا منها أصحاب الأرض والعاملين فيها؛ فقليلٌ يبارك الله فيه خير من كثير تمحق بركته، ويذهب خيره، والله الموفق والمستعان.

  • رجل مسن مريض لا يميز وقت الصلاة

    ما حكم صلاة المسن المريض الذي لا يميز أحياناً بين الأوقات؛ علما بأنه يعاني من عدم التحكم في البول ويعجز عن الحركة إلا بمساعدة الآخرين؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالأصل في هذا كله قول ربنا جل جلاله {لا يكلِّف الله نفساً إلا وسعها} وقوله سبحانه {فاتقوا الله ما استطعتم} وقول النبي صلى الله عليه وسلم (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) وعليه فإن الواجب عليكم تذكير هذا الشيخ بأوقات الصلوات، وعليه أن يتطهر من البول ويتوضأ لكل صلاة بعد دخول وقتها إن استطاع؛ فإن لم يستطع تيمم، وعليه أن يصلي على الحالة التي يستطيعها قائماً أو قاعداً أو على جنب أو يومئ إيماء، والله المسئول أن يحسن لنا وله الختام.

  • قتل الحشرات المنزلية

    ما حكم قتل الحشرات المنزلية مثل الصراصير والجنادب والخنافس والعناكب ….إلخ، فأنا أخاف من الحشرات كثيراً مما يدفع الأهل لقتلهم، وأخشى أن يكون ذلك ضمن قتل النفس بغير وجه حق؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فلا حرج في قتل ما كان يؤذي من الدواب والحشرات إن في المنزل أو في غيره؛ يدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الفأرة والحدأة والحية والغراب الأبقع والكلب العقور ولو في الحرم، والجامع بينها هو الأذى؛ وعليه فما كان يسبب للناس أذى فلا حرج في قتله، شريطة ألا يكون ذلك بالنار لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التحريق بالنار فقال “لا تعذبوا بعذاب الله” وألا يكون بما يؤدي إلى تعذيب الحيوان أو الطائر أو الحشرة، لكن لا حرج في قتله بما يسرع في إزهاق روحه ولا يؤدي إلى تعذيبه، قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره (الجامع لأحكام القرآن): روى مسلم من حديث أبي هريرة عن رسول الله r أن نملة قرصت نبياً من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله تعالى إليه {أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح} وفي طريق آخر {فهلا نملة واحدة}. قال علماؤنا: يقال إن هذا النبي هو موسى عليه السلام، وإنه قال: يا رب تعذب أهل قرية بمعاصيهم وفيهم الطائع. فكأنه أحب أن يريه ذلك من عنده، فسلط عليه الحر حتى التجأ إلى شجرة مستروحا إلى ظلها، وعندها قرية النمل، فغلبه النوم، فلما وجد لذة النوم لدغته النملة فأضجرته، فدلكهن بقدمه فأهلكهن، وأحرق تلك الشجرة التي عندها مساكنهم، فأراه الله العبرة في ذلك آية: لما لدغتك نملة فكيف أصبت الباقين بعقوبتها! يريد أن ينبهه أن العقوبة من الله تعالى تعم فتصير رحمة على المطيع وطهارة وبركة، وشرا ونقمة على العاصي. وعلى هذا فليس في الحديث ما يدل على كراهة ولا حظر في قتل النمل، فإن من آذاك حل لك دفعه عن نفسك، ولا أحد من خلقه أعظم حرمة من المؤمن، وقد أبيح لك دفعه عنك بقتل وضرب على المقدار، فكيف بالهوام والدواب التي قد سخرت لك وسلطت عليها، فإذا آذاك أبيح لك قتله. وروى عن إبراهيم: ما آذاك من النمل فاقتله. وقوله:” الا نملة واحدة” دليل على أن الذي يؤذى يؤذى ويقتل، وكلما كان القتل لنفع أو دفع ضرر فلا بأس به عند العلماء.ا.هــــــــــــ والعلم عند الله تعالى.

  • كشف الفخذ في السباحة

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، من المعلوم أنه لا يجوز لإنسان أن ينظر إلى عورة أخيه لكنه في رياضة السباحة ينظر فكيف ذلك؟ أفتوني بارك الله فيكم..

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فالفخذ عورة – في قول جماهير العلماء – ولا يحل للمسلم كشفه، ولا النظر إليه من غيره؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه «لا تبرز فخذيك ولا تنظر إلى عورة حي ولا ميت» رواه أبو داود، وقال عليه الصلاة والسلام لما مرَّ برجل وفخذه بارزة «غطِّ فخذيك فإن الفخذ عورة» رواه البخاري في صحيحه تعليقا، وعليه فالمطلوب في السباحة وغيرها أن يستر المسلم فخذه، وليس ذلك بعسير، والله الموفق والمستعان.

  • ما هي كفالة اليتيم؟

    أسأل عن كفاله اليتيم المقصودة في حديث الرسول عليه الصلاة والسلام هل تعني الكفالة الكاملة أم المساهمة بمبلغ معين شهري (رمزي) تعتبر كفالة؟  وكفاله البنت تكون عمر كم؟ أرجو الرد عاجلا..

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جملة من الأحاديث المرغبة في كفالة اليتيم وبيان ما أعد الله له من أجر وثواب؛ كقوله صلى الله عليه وسلم “أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة” وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى. قال ابن بطال رحمه الله تعالى: حقٌ على من سمع هذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك.ا.هــــــ وقال بعض العلماء: لعل الحكمة في كون كافل اليتيم يشبه في دخول الجنة أو شبهت منزلته في الجنة بالقرب من النبي أو منزلة النبي لكون النبي شأنه أن يبعث إلى قوم لا يعقلون أمر دينهم فيكون كافلاً لهم ومعلماً ومرشدا، وكذلك كافل اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقل أمر دينه بل ولا دنياه ويرشده ويعلمه ويحسن أدبه فظهرت مناسبة ذلك.ا.هـــــــ

    وأخرج أبو يعلى من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم “أنا أول من يفتح باب الجنة فإذا امرأة تبادرني فأقول: من أنت؟ فتقول: أنا امرأة تأيمت على أيتام لي. قال ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح: ورواته لا بأس بهم.ا.هـــ وأخرج أبو داود من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم “أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة امرأة ذات منصب وجمال حبست نفسها على يتاماها حتى ماتوا أو بانوا”

    وكافل اليتيم على التمام هو القيم بأمره ومصالحه الساعي في تنشئته على مكارم الأخلاق وتعاليم الدين؛ فقد أخرج الطبراني في المعجم الصغير من حديث جابر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله مم أضرب منه يتيمي؟ قال: “مما كنت ضارباً منه ولدك غير واق مالك بماله”

    ودون ذلك كفالته مالياً بمعنى الإنفاق عليه نفقة كلية أو جزئية، والله لا يضيع أجر المحسنين، ولفظة اليتيم تطلق على من فقد أباه قبل البلوغ؛ وتستمر كفالته حتى يستغني، واستغناء الذكر يكون ببلوغه مبلغ الرجال وقدرته على التكسب؛ واستغناء الأنثى يكون بزواجها أو استكفائها بعمل يصونها وتحصل منه على حاجتها، والله تعالى أعلم.

  • زوجي يمنعني ركوب الركشة

    زوجي مغترب وينهاني أن أركب ركشة أو أمجادا وأنا وحدي أو حتى مع العيال، وأحياناً أحتاج لضرورة كأخذ أحد الأطفال للطبيب أو المدرسة عند تخلف الترحيل أو غير ذلك ولا أجد محرما يأخذني، أو يتعذر علي أن أطلب ذلك إليهم لظروفهم فلا أريد أن أشق عليهم، ماذا أفعل؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فلا يخفى عليك أن طاعة المرأة لزوجها أمر محتوم؛ لقول الله تعالى {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة} وقول النبي صلى الله عليه وسـلم لعمر رضي الله عنه «أَلاَ أُخْبِرُكَ بِخَيْرِ مَا يَكْنِزُ الْمَرْءُ؟ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ» رواه أبو داود وفي سنن ابن ماجه من حديث أبي أمامة رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: “مَا اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى اللهِ خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ، إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ”

    وعليه فإن المطلوب منك – أحسن الله إليك – طاعة زوجك في منعه إياك من ركوب تلك الوسائل المذكورة في السؤال؛ خاصة وأن ذلك المنع ما كان منه إلا لما علم من فساد يحصل في أحيان كثيرة من تتابع خروج المرأة من بيتها وارتيادها تلك الوسائل، وأما إن كان ثمة ضرورة – كحاجة الطفل إلى الطبيب – فحينها يمكنك استئذان زوجك عن طريق الهاتف ليدبر الأمر أو يأذن لك فيما منعك منه بحكم الضرورة، والله الموفق والمستعان.

زر الذهاب إلى الأعلى